Notification Logo

مقالات الدكتور عبد الله السويدي

الاستدامة لا تعني التضحية بالحاضر من أجل المستقبل، بل تعني اتخاذ خيارات مدروسة اليوم تسمح لكليهما بالازدهار

حكمة الحوار وقوة الإقناع: قراءة في منهج إبراهيم عليه السلام في الحوار مع أبيه


وأنا أقرأ في سورة مريم، استوقفني ذلك الحوار العميق والبديع بين نبي الله إبراهيم عليه السلام وأبيه، بما يحمله من رقيّ في الخطاب، وحكمة في الإقناع، وتدرّج في عرض الحجة، رغم عمق الاختلاف بينهما. يقول الله تعالى:

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ۝ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ۝ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ۝ يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا ۝ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ (مريم: 41–45)

وقد دفعني هذا الحوار إلى التأمل في تفاصيله، لا من زاوية مضمونه الإيماني فحسب، بل كذلك من زاوية منهجية الحوار وفن الإقناع وإدارة الاختلاف؛ إذ يكشف التأمل في كلماته وتسلسل حججه عن مجموعة من المبادئ العميقة التي يمكن أن تشكل إطارًا متكاملًا للحوار والتفاوض الفعّال.

فكيف استطاع إبراهيم عليه السلام أن يجمع بين الثبات على المبدأ واللين في الخطاب، وبين قوة الحجة واحترام الطرف الآخر، وبين وضوح الاختلاف والمحافظة على العلاقة؟ وما المبادئ التي يمكن أن نستخلصها من هذا الحوار ونستفيد منها في حواراتنا ومفاوضاتنا اليوم؟

قبل البدء

ليست قوة الحوار دائمًا في ارتفاع الصوت، ولا في كثرة الحجج، ولا حتى في امتلاك الحقيقة وحده؛ فقد يملك الإنسان الحجة، لكنه يخسر من أمامه بسبب الطريقة التي يقدم بها حجته. وربما كان من أعمق نماذج الحوار الذي يجمع بين وضوح المبدأ ورقي الأسلوب ذلك المشهد القرآني البديع الذي يصور حوار إبراهيم عليه السلام مع أبيه.

يبدأ المشهد بقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾، ثم يتدرج الحوار في هدوء لافت: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾.

وعندما نتأمل هذا الحوار من زاوية معاصرة، نجد أمامنا ما يشبه منهجًا متكاملًا في الإقناع والتفاوض؛ منهجًا يبدأ بالإنسان قبل القضية، وبالسؤال قبل الحكم، وبالحجة قبل المواجهة، وبالبديل قبل التحذير.

ابدأ بالعلاقة قبل أن تبدأ بالقضية

كان بإمكان إبراهيم عليه السلام أن يبدأ مباشرة بنقد ما يفعله أبوه، لكنه بدأ بكلمتين تحملان قدرًا كبيرًا من القرب والاحترام: ﴿يَا أَبَتِ﴾. ولم تكن هذه الكلمة عابرة في الحوار؛ فقد تكررت. وكأن الرسالة الضمنية تقول: اختلافي معك لا يلغي مكانتك عندي. وهنا يظهر أول درس استراتيجي في التفاوض: لا تجعل الاختلاف حول القضية يتحول إلى صراع حول العلاقة.

كثير من الحوارات تفشل قبل أن تبدأ؛ لأن الطرف الآخر يشعر منذ اللحظة الأولى بأنه موضع هجوم. وعندما يشعر الإنسان بأن كرامته مهددة، ينتقل غالبًا من مناقشة الفكرة إلى الدفاع عن الذات. أما الحوار الذكي، فيخلق منذ البداية مساحة نفسية آمنة تسمح للطرف الآخر بأن يسمع، ويفكر، وربما يراجع موقفه.

 

اسأل قبل أن تحكم

بعد بناء هذه المساحة الإنسانية، لا يقول إبراهيم لأبيه مباشرة: أنت مخطئ. بل يسأله: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾. وهنا تنتقل المحادثة من المواجهة إلى التفكير.

السؤال الجيد في التفاوض لا يبحث دائمًا عن معلومة؛ أحيانًا تكون مهمته أن يجعل الطرف الآخر يرى موقفه من زاوية لم ينظر إليها من قبل. فبدل أن تقول للآخر: قرارك غير منطقي، قد يكون أكثر تأثيرًا أن تسأله: ما النتيجة التي نتوقعها من هذا القرار؟ وهل يقودنا فعلًا إلى الهدف الذي نريده؟

إنه تحول بسيط في اللغة، لكنه عميق في الأثر: من محاولة تغيير موقف الإنسان بالقوة، إلى مساعدته على إعادة التفكير فيه بنفسه.

ناقش الفكرة... ولا تهاجم صاحبها

ثم تأتي دقة أخرى في الحوار. إبراهيم عليه السلام يناقش خصائص ما يُعبد: ﴿لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾. فالنقد هنا موجه إلى الفكرة وموضوعها، لا إلى كرامة الأب أو شخصه. وهذا من المبادئ الكبرى في التفاوض الحديث: افصل الإنسان عن المشكلة.

فعندما يتحول الخلاف من: هذه الفكرة تحتاج إلى مراجعة إلى: أنت لا تفهم، تتغير طبيعة الحوار بالكامل. لم تعد القضية البحث عن الصواب أو الحل الأفضل، وإنما أصبح كل طرف يحاول حماية صورته ومكانته.

وما أكثر الاجتماعات والمفاوضات التي تفشل لا بسبب صعوبة المشكلة، بل لأن المشكلة تحولت من خلاف حول ماذا نفعل؟ إلى صراع حول من منا على حق؟

امتلك المعرفة... ولكن لا تستخدمها لإذلال الآخر

ثم يقول إبراهيم عليه السلام: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾.

وهنا تظهر مهارة شديدة الرقي. فهو لا يقول: أنا أعلم منك، ولا: أنت جاهل. وإنما يقول، بمعنى بالغ الدقة، إن لديه من العلم في هذه القضية ما لم يصل إلى أبيه. الفارق بين التعبيرين كبير.

فالمعرفة في الحوار ليست أداة لاستعراض التفوق، وإنما وسيلة للوصول إلى الحقيقة. وقد يمتلك أحد الأطراف معلومات أكثر من الآخر، لكن الطريقة التي يقدم بها هذه المعرفة قد تحدد ما إذا كان الطرف الآخر سيقبلها أو يقاومها. كلما ازداد الإنسان علمًا، ازدادت حاجته إلى التواضع في طريقة تقديم علمه.

لا تكتفِ بنقد الطريق... قدّم طريقًا آخر

ثم تأتي النقلة الاستراتيجية: ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾.

وهذه نقطة محورية في أي عملية إقناع ناجحة. فليس كافيًا أن تثبت للآخر أن الوضع الحالي غير مناسب؛ عليك أن تقدم له بديلًا واضحًا. في الإدارة، كما في الحياة، من السهل اكتشاف الأخطاء. لكن القيمة الحقيقية تبدأ عندما نستطيع الانتقال من السؤال: ما الخطأ؟ إلى السؤال الأهم: ما البديل؟

ولهذا فإن المفاوض الناجح لا يهدم خيار الطرف الآخر ثم يتركه في فراغ، وإنما يساعده على رؤية مسار جديد يمكن الانتقال إليه.

من الظاهر إلى الجذور

يتعمق الحوار بعد ذلك: ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾.

لقد بدأ النقاش بما هو ظاهر ومحسوس: شيء لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع. ثم انتقل تدريجيًا إلى الجذر الأعمق للمشكلة من المنظور العقدي. وهذا درس آخر في التفكير الاستراتيجي: لا تتوقف عند الأعراض؛ ابحث عن السبب الجذري.

فالمنظمات، مثل الأفراد، قد تنشغل بمعالجة مظاهر المشكلة بينما يبقى أصلها قائمًا. انخفاض المبيعات قد يكون عرضًا، وضعف الابتكار قد يكون عرضًا، وارتفاع دوران الموظفين قد يكون عرضًا. أما السؤال الاستراتيجي فهو دائمًا: ما الذي يقف خلف ذلك؟ الحوار العميق لا يكتفي بما يظهر على السطح.

التحذير الذي يحمل في داخله الرحمة

ثم يبلغ الحوار مرحلة بيان العواقب: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾.

تأمل التعبير: ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾.

ليس فيه تشفٍّ، ولا استعلاء، ولا تهديد شخصي. إنه تحذير تحيط به مشاعر الحرص على الطرف الآخر. وفي لغة التفاوض، يمكن النظر إلى ذلك باعتباره توضيحًا لعواقب الاستمرار في المسار الحالي. لكن الفرق الجوهري بين التحذير والتهديد أن الأول يبين للطرف الآخر المخاطر التي يخشى عليه منها، بينما يستخدم الثاني الخوف لإجباره على الاستجابة. ولهذا فإن بيان المخاطر يكون أكثر أخلاقية وتأثيرًا عندما يشعر الطرف الآخر بأنك تريد مصلحته، لا هزيمته.

الثبات في الجوهر... والمرونة في الأسلوب

ربما تكون هذه هي الفكرة الكبرى التي تجمع الحوار كله. إبراهيم عليه السلام لم يكن مرنًا في الحقيقة التي يدعو إليها، لكنه كان بالغ الحكمة في طريقة عرضها.

وهذا يلفت النظر إلى تمييز مهم في التفاوض: هناك فرق بين التنازل عن المبدأ وبين المرونة في طريقة الوصول إليه. يمكن للإنسان أن يكون ثابتًا في قيمه، وفي الوقت نفسه هادئًا في لغته. ويمكن أن يكون واضحًا في موقفه دون أن يكون جارحًا. ويمكن أن يختلف اختلافًا جذريًا مع إنسان، ثم يظل محافظًا على احترامه له.

وهنا تتجلى المعادلة الأجمل: ثبات في الجوهر، ومرونة في الأسلوب، واحترام للإنسان.

من الموقف إلى المصلحة... ومن الخصومة إلى الفهم

في أدبيات التفاوض الحديثة، يُفرَّق عادة بين المواقف (Positions) والمصالح أو الدوافع الكامنة وراءها (Interests) فالموقف هو ما يعلنه الطرف، أما الحوار الأعمق فيحاول اكتشاف ما وراء هذا الموقف والوصول إلى جوهر القضية.

ويمكن قراءة تدرج حوار إبراهيم عليه السلام من هذا المنظور: فهو لا يقف طويلًا عند الصورة الخارجية للموقف، بل يأخذ الحوار تدريجيًا نحو السؤال عن المنطق، ثم المعرفة، ثم الطريق البديل، ثم الجذر، ثم العاقبة.

ليست المسألة إذن أن تجمع أكبر عدد من الحجج، وإنما أن تعرف متى تقول ماذا، وكيف تنتقل بالطرف الآخر من مرحلة إلى أخرى.

قبل أن تحاول كسب القضية... لا تخسر الإنسان

هذا الحوار القصير في عدد كلماته، العميق في معانيه، يقدم درسًا يتجاوز سياقه إلى فلسفة أوسع في التواصل الإنساني. فنحن عندما نختلف مع الآخرين نميل أحيانًا إلى الاعتقاد بأن نجاح الحوار يعني أن نثبت أننا على حق. لكن الحوار الأكثر نضجًا يسأل سؤالًا مختلفًا: كيف أوصل ما أؤمن به من حق، بطريقة تفتح عقل الإنسان وقلبه بدل أن تغلقهما؟

وهنا يصبح التفاوض أكثر من مجرد تقنيات وأساليب؛ يصبح فنًا في إدارة الاختلاف مع الحفاظ على الإنسان.

وربما يمكن تلخيص المنهج كله في عبارة واحدة: ابدأ بالإنسان قبل القضية، وبالسؤال قبل الحكم، وبالفهم قبل الإقناع، وبالبديل قبل التحذير؛ وكن ثابتًا في المبدأ، حكيمًا في الأسلوب، حريصًا على ألا يتحول اختلافك مع الإنسان إلى انتقاص منه.

فليست أعظم الحوارات تلك التي يخرج منها أحد الطرفين منتصرًا والآخر مهزومًا؛ بل تلك التي يبقى فيها الحق واضحًا، والكرامة محفوظة، وباب التفكير مفتوحًا.

 

مشاركة عبر:

التعليقات والآراء

لا توجد تعليقات بعد.